كتبت/ اسراء عبيد
تبدأ العديد من تحديات الصحة النفسية في أعماق الطفولة، حيث تترك الصدمات النفسية آثارًا عميقة على شخصية الإنسان وقدرته على التعامل مع ضغوط الحياة لاحقًا. الصدمات تشمل التجارب التي تهدد أمان الطفل الجسدي أو العاطفي، مثل الإهمال، فقدان أحد الوالدين، العنف الأسري، التنمر، أو الانفصال المفاجئ عن المحيطين. هذه التجارب تشكل الدماغ في مرحلة حساسة، وتترك بصمة طويلة الأمد على طريقة التفكير، المشاعر، والتفاعل مع الآخرين.
الأطفال الذين يتعرضون للصدمات المبكرة غالبًا ما يظهرون علامات القلق المستمر، الاكتئاب، صعوبة في الثقة بالآخرين، والشعور بعدم الأمان. ومع تقدمهم في العمر، يمكن أن تتطور هذه التحديات لتصبح مشاكل نفسية عميقة، صعوبات في العلاقات، انخفاض القدرة على التكيف، وحتى أمراض جسدية مرتبطة بالتوتر المزمن مثل اضطرابات النوم وارتفاع ضغط الدم.
لكن الخبر الجيد هو أن التعافي ممكن، وهناك العديد من الطرق الفعّالة لمعالجة آثار الصدمات النفسية:
العلاج النفسي الفردي: مثل العلاج السلوكي المعرفي الذي يساعد على التعرف على الأفكار السلبية واستبدالها بأنماط تفكير صحية، والعلاج النفسي الديناميكي الذي يركز على فهم جذور الصدمات وتأثيرها على العلاقات والسلوكيات الحالية، بالإضافة إلى العلاج باللعب للأطفال للتعبير عن المشاعر بطريقة آمنة.
العلاج الجماعي والدعم الاجتماعي: مجموعات الدعم تسمح بمشاركة التجارب مع أشخاص مروا بصدمات مماثلة، مما يقلل من الشعور بالعزلة ويعزز الانتماء.
والدعم العائلي المستمر يعتبر عاملًا أساسيًا في التعافي النفسي للأطفال والكبار.
التقنيات النفسية والجسدية: مثل التأمل واليقظة الذهنية التي تساعد على تهدئة العقل والتحكم في الأفكار السلبية، تمارين التنفس والاسترخاء العضلي التدريجي، وكذلك العلاج بالفنون والموسيقى كوسيلة للتعبير عن المشاعر المكبوتة بطريقة شفائية.
العلاج الدوائي: في بعض الحالات يمكن استخدام مضادات الاكتئاب أو مضادات القلق تحت إشراف طبي لمساعدة الدماغ على تنظيم المزاج والتحكم في التوتر.
بناء الروتين اليومي والدعم الذاتي: الالتزام بروتين يومي متوازن يشمل النوم الكافي، التغذية الصحية، النشاط البدني، والهوايات الممتعة، مع ممارسة الوعي الذاتي من خلال كتابة اليوميات أو التحدث عن المشاعر.
العلاج الأسري: العمل مع الأسرة لإعادة بناء العلاقات وتعزيز التواصل العاطفي، والحد من أنماط السلوك الضارة التي قد تعزز الصدمات.
الصدمات النفسية وتجارب الطفولة المبكرة ليست نهاية الطريق، لكنها دعوة للاهتمام والدعم من خلال العلاج النفسي المتنوع، الدعم الاجتماعي، الوعي الذاتي، وبناء حياة متوازنة، يمكن تحويل الألم المبكر إلى قوة، وبناء صحة نفسية مستقرة تسمح للفرد بالعيش بثقة وسعادة، مهما كانت جذور الألم في الماضي.