بقلم : إيمان عوض
انفجر المشهد القضائي المصري، معلناً أزمة غير مسبوقة كشفت المستور وراء تجاوزات المرحلة الأولى للانتخابات.
تحوّل خلاف علني بين نادي القضاة ونادي النيابة الإدارية إلى وثيقة إدانة قضائية رسمية تُلقي بظلالها الثقيلة على نزاهة العملية الانتخابية برمتها.
جاء هذا التطور للاحداث في أعقاب بيان رئاسي غير مسبوق كان قد صدر في وقت سابق أبدى فيه الرئيس السيسي انزعاجه الشديد من المخالفات.
وعلى إثر هذا الانزعاج، أصدرت الهيئة الوطنية للانتخابات قراراً في المؤتمر المنعقد يوم الثلاثاء الماضي بإلغاء النتائج في 19 دائرة انتخابية بالمرحلة الأولى لوجود "مخالفات قانونية" بها.
هذا القرار الرئاسي وقرار الإلغاء كانا بمثابة الشعلة التي أشعلت الصراع القضائي الذي نشهده الآن.
حيث بدأ الخلاف بمحاولة ماكرة من نادي القضاة، الذي أصدر بياناً حاول فيه التملص من المسؤولية وتحميل أعضاء النيابة الإدارية وهيئة قضايا الدولة وزر المخالفات.
لكن نادي النيابة الإدارية رد ببيان حاد وصريح، قلب الطاولة رأساً على عقب، ليؤكد أن الصدام لم يعد حول الأداء، بل حول تحميل المسؤولية لمصدر القرار نفسه.
النيابة الإدارية أشارت إلى أن أعضاءها عملوا بتعليمات مباشرة من الهيئة الوطنية للانتخابات.
الاعتراف الأكثر خطورة في بيان النيابة الإدارية هو أن مخالفات مثل عدم تسليم وكلاء المرشحين نموذج نتيجة الفرز، جاءت تنفيذاً لأوامر وتعليمات مباشرة من الهيئة.
هذا الاعتراف الصادم يُعد وثيقة رسمية تثبت أن الهيئة كانت غير محايدة في إشرافها، وهو ما يتناقض مع دورها الدستوري والقانوني.
إذ يعد هذا الإقرار تأسيس البطلان الكلي للانتخابات استناداً إلى نظرية الثمرة الباطلة.
فالقاعدة القانونية تؤكد أن أي عيب جوهري في مَنشَأ الإجراء "أي في تعليمات الهيئة "يجعل ما بُني عليه باطلاً بالكامل فما بني على باطل فهو باطل.
الأمر الصادر من الهيئة بمنع تسليم المحاضر يمثل إهداراً صريحاً لضمانة قانونية أساسية أوجبها قانون تنظيم مباشرة الحقوق السياسية.
إذ تنص مواد القانون، وفي مقدمتها المادة (49) المتعلقة بفرز الأصوات، .. "يجب على رئيس اللجنة الفرعية... أن تُسَلَّم نسخة من البيان... إلى مندوبي المترشحين الراغبين في ذلك".
و ترتيباً على ذلك ، فإن حجب هذا الحق الأصيل للمرشحين في الرقابة الفعّالة، بناءً على تعليمات الهيئة، أدى إلى الإضرار المباشر بالحقوق السياسية ويوجب البطلان.
وجدير بالذكر أن المفارقة التي تضاعف قوة السند القانوني هي أن الهيئة نفسها سبق أن اعتبرت "عدم تسليم المرشح أو وكيله صورة من محاضر حصر الأصوات" سبباً جوهرياً أدى إلى إلغاء نتائج دوائر بأكملها.
هذه المناوشات لم تنجح في إيجاد "كبش فداء"، بل كشفت عن فضيحة سياسية تقوّض الرواية الرسمية للانتخابات من جذورها.
الأجواء تُعيد للأذهان صدامات انتخابات 2010 بين القضاء الإداري واللجنة العليا للانتخابات.
هذا يفتح الباب واسعاً أمام المرشحين المتضررين لتقديم طعن شامل أمام القضاء الإداري للمطالبة بـ البطلان الكلي لنتائج المرحلة الأولى بناءً على اعتراف قضائي رسمي يُدين الجهة المشرفة ذاتها.
والموقف الان أصبح مزري للغايه، فتداعيات الطعن السياسي.. على حافة أزمة شرعية.
الاعتراف القضائي الصريح يوجه ضربة قاصمة لثقة الرأي العام في نزاهة العملية الانتخابية وشرعية الهيئة الوطنية.
مما يضع هذا الطعن القضاء الإداري أمام مواجهة مباشرة وحاسمة مع السلطة التنفيذية والهيئة المشرفة على الانتخابات.
الأزمة تهدد بتكرار سيناريو أزمة الشرعية التي شهدتها انتخابات 2010، والتي كانت مقدمة لاضطرابات سياسية كبرى.
القرار الذي سيصدر عن القضاء الإداري سيحدد مصداقية المشهد السياسي بالكامل والشرعية الدستورية للبرلمان الناتج عن هذه الانتخابات.
فالضغوط تتصاعد على النظام لتصحيح المسار وتجنب أن تصبح هذه الأزمة القضائية مدخلاً لأزمة سياسية أوسع.
المخاطر كبيرة وتتجاوز مجرد إلغاء النتائج أو قد يتحول الأمر لالغاء الانتخابات بأكملها و تأجيلها، لتطال استقرار المشهد السياسي وسمعة مصر الدولية في إدارة الاستحقاقات الدستورية، و هذا أمر يسئ لمصر و لا نتمنى أن يؤدي بنا إلى ذلك في نهاية المطاف.
لقد أصبحت الكرة في ملعب العدالة، ومصير المؤسسة التشريعية معلقٌ بحكم تاريخي يكتب إما نهاية فصل البطلان، أو بداية فصل جديد من التحديات السياسية.