«ما احنا دافنينه سوا»


بقلم: أسماء الباشا

في كثير من الأحيان، تأتي القصص الشعبية لتكشف لنا عن أعماق النفس البشرية، عن الطمع، والخيانة، والذكاء، وحتى عن ضعفنا أمام رغبتنا في المكسب السريع. قصة الحمار والقبة واحدة من هذه الحكايات التي تتكرر على ألسنة الناس منذ سنوات، لكنها تحمل رسائل صادمة وعميقة في الوقت نفسه.

كان هناك رجلان يبيعان الزيت، والحمار الذي كان معهما لم يكن مجرد حيوان يساعدهما في أعمالهما اليومية، بل كان صديقًا لهما ووسيلة رزقهما الوحيدة. وعندما مات، شعر الرجلان بحزن شديد، ليس فقط لفقدان الحيوان، بل لفقدان مصدر رزقهما، وكأن جزءًا من حياتهما انتهى مع الحمار.

بينما كان الحزن يثقل قلبيهما، ظهر أحدهما بفكرة ماكرة، فكر في تحويل الخسارة إلى مكسب، دفن الحمار وبنى فوقه قبة، وادعى أنه مزار لرجل صالح، وحكى للناس قصصًا عن فضائل وكرامات وهمية، وانتظر أن يأتوا ويتبركوا ويتركوا الهدايا والنذور. سرعان ما بدأت الفكرة تعمل، وتوافد الزوار والزائرات، وبدأ المال يتدفق، وتحول الحزن إلى فرحة مزيفة، بينما كان قلباهما يمتلئان بالطمع والدهشة من نجاح حيلتهما الصغيرة.

مع مرور الوقت، بدأ يظهر الجانب المظلم للطمع والخداع داخل الشراكة نفسها، حاول أحدهما أن يخفي جزءًا من المكسب، ليكتشف الآخر الخيانة، فصاح بسخرية وذكاء: «أحلِّفك على مين؟ ما احنا دفنينه سوا». هنا تجلت الحقيقة أن أي مكسب مبني على الغش والخداع، مهما بدا ذكيًا، لا يخلق الثقة بين الناس، ولا حتى بين الشركاء أنفسهم، بل يولّد الشك والخوف من الآخر والقلق المستمر على كل شيء تم تحقيقه.

القصة تعلمنا أن الطمع يمكن أن يحوّل الخسارة إلى فرصة، لكنه يخلق صراعات داخلية وخارجية، وأن الذكاء والمكر، مهما كانا حاضرين، لا يكون لهما قيمة حقيقية إلا إذا صاحبهما وعي أخلاقي ونية صافية. إنها أيضًا درس عن الثقة والمصداقية وعن أهمية عدم الانخداع بالمظاهر، فالناس في كثير من الأحيان يبالغون في تمجيد أي شيء يبدو صالحًا أو مقدسًا، وننسى أن وراء كل شيء قد يكون خيالًا أو خداعًا، وهذا ما يجعل الوعي مهمًا جدًا قبل تصديق أي شيء أو الانخداع بما نراه أو نسمعه، فالحرص على الفهم قبل التصديق هو الذي يحمي القلوب والعلاقات والمكاسب الحقيقية.

وفي النهاية يا صديقي العزيز، قصة الحمار والقبة ليست مجرد حكاية طريفة، ولا مجرد درس في الغش والطمع، بل هي انعكاس لطبيعة البشر بكل ما فيها من ضحك وألم وذكاء وخيانة، وتذكرنا دائمًا أن أي مكسب بدون أخلاق وضمير، مهما بدا ذكيًا أو ماكرًا، سرعان ما يتحول إلى عبء على القلب وإلى خيبة على المستوى الشخصي والاجتماعي، وأن النجاح الحقيقي هو الذي يأتي مع سلام داخلي، وضمير مرتاح، وأخلاق واضحة، فكل ما يخالف ذلك مهما كان جذابًا أو مربحًا، هو خسارة حقيقية بطرق لا نشعر بها إلا بعد فوات الأوان، وتصبح القلوب مثقلة بالندم قبل أن تنتبه العيون.

هذه القصة هي دعوة للتأمل في حياتنا، في صداقاتنا، في شراكاتنا، وفي كل قرار نتخذه، لأنها تعلمنا أن المكاسب الحقيقية هي التي ترافقها نزاهة وصدق، وأن الضحك على الآخرين مهما كان ساحرًا في اللحظة، قد يأتي يومًا محملًا بالعواقب التي لا تُحتمل، وأن قلب الإنسان وحده هو الحكم الأخير على قيمة ما يفعل، وما يجنيه، وما يتركه في الآخرين من أثر، وهكذا تظل جملة «ما احنا دفنينه سوا» تحمل كل هذه الدروس، وتذكرنا دائمًا بأن أي غش أو خداع مشترك لا يمكن أن ينجح بلا شكوك، وأن الإنسان مهما كان ماكرًا، لن يهرب من أثر أفعاله على نفسه وعلى من حوله.
google-playkhamsatmostaqltradent