الحصانة البرلمانية بين مطرقة التسييس وسندان الأمن القومي… جدل الرقابة والشرعية


بقلم: إيمان عوض

تشهد الانتخابات البرلمانية الحالية حالة من الاحتقان، في ظل تصاعد الشكاوى بشأن الحشد المدفوع واستغلال المال السياسي، الأمر الذي فجّر موجة من الدعوات على منصات التواصل الاجتماعي للمطالبة بإلغاء الحصانة البرلمانية، بدعوى أنها أصبحت مظلة لحماية النواب المتهمين بإفساد العملية السياسية. وبين هذه المطالب، برز جدل واسع حول دور الحصانة بين حماية النزاهة من جهة، وصون الاستقلالية البرلمانية من جهة أخرى.

ماهية الحصانة البرلمانية وأنواعها

قبل الخوض في جدوى تلك المطالب، ينبغي التأكيد على أن الحصانة البرلمانية ليست نوعًا واحدًا، بل هي ضمانة قانونية ودستورية تُمنح للنائب لتمكينه من أداء دوره التشريعي والرقابي بحرية، ومن دون ضغوط من السلطة التنفيذية. وتمثل هذه الحصانة أحد الأعمدة الأساسية في تنظيم العلاقة بين السلطات.

أولًا: الحصانة الموضوعية (الحماية الدائمة)
وتتعلق بعدم مساءلة النائب جنائيًا أو مدنيًا عمّا يبديه من آراء أو مواقف أو تصويت داخل المجلس أو لجانه، طالما كان مرتبطًا بعمله البرلماني، وفقًا للمادة 355 من اللائحة الداخلية. وتُعد هذه الحصانة حماية دائمة لحرية الرأي داخل المجلس.

ثانيًا: الحصانة الإجرائية (الحماية المؤقتة)
وهي تمنع اتخاذ أي إجراءات جنائية ضد النائب — مثل القبض أو التحقيق أو المحاكمة — أثناء انعقاد المجلس، إلا بعد الحصول على إذن مسبق منه. ويُستثنى من هذه الحماية حالات التلبس، إذ تسقط الحصانة تلقائيًا. وتنص المادة 113 من الدستور والمادة 356 من اللائحة على أن الهدف من هذه الحماية هو منع التعسف أو الكيد السياسي، وفي غير دور الانعقاد، يُؤخذ الإذن من مكتب المجلس.

آليات رفع الحصانة

وبما أن النواب أشخاص، فقد أتاح القانون إجراءات واضحة لرفع الحصانة عنهم عند الضرورة. ويتم تقديم طلب رفع الحصانة من النائب العام أو المدعي العام العسكري أو من أي صاحب دعوى مباشرة، على أن يُقدَّم لرئيس المجلس.

ويشترط في الطلب — وفق المادة 357 من اللائحة — أن يتضمن بيانًا للواقعة، والمواد القانونية المتعلقة بها، ورقم القضية، قبل إحالته إلى لجنة مختصة تمهيدًا للتصويت. ولا يملك النائب التنازل عن حصانته الإجرائية من تلقاء نفسه.

الدعوات لإلغاء الحصانة… أزمة المفهوم وأزمة التوقيت

المطالبات المتكررة بإلغاء الحصانة بشكل كامل تفتقر إلى الأساس الدستوري والوظيفي، إذ أن الحصانة ليست امتيازًا للنائب بقدر ما هي ضمانة لحماية دوره الرقابي والتشريعي من أي تدخل خارجي. وسحب هذه الحماية لا يعني محاسبة المخطئ فحسب، بل يفتح الباب أمام توظيف القانون في تصفية الحسابات السياسية، بما يهدد جوهر النظام البرلماني.

إلغاء الحصانة… خطر على الأمن القومي

يمثل رفع أو إلغاء الحصانة خطرًا مباشرًا على الأمن القومي عبر:

فتح المجال أمام التصفية السياسية للنواب، ترهيب باقي الأعضاء وتعطيل الدور التشريعي، إضعاف الرقابة على الحكومة، زعزعة الثقة في العملية الديمقراطية، تعريض الدولة لاتهامات خارجية بتسييس القضاء.

النائب هو الممثل المُفوَّض من الشعب، وفق نظرية العقد الاجتماعي ومن خلال النظام الديمقراطي لممارسة الدور الرقابي والتشريعي نيابة عنه. وإلغاء الحصانة يُفقد هذا النائب صلاحياته وضماناته، ويُعد مساسًا مباشرًا بحق الشعب في ممارسة سلطته عبر من انتخبهم.

وإذا كان شراء الأصوات يُعد تزويرًا لإيصال مرشح غير مُعبِّر عن إرادة الناخبين، فإن رفع الحصانة بطريقة غير منضبطة يؤدي إلى النتيجة نفسها، من خلال إضعاف قدرة النائب المنتخب فعليًا على ممارسة وظيفته.

الإضرار بالحقوق الديمقراطية للمواطن

رفع الحصانة بشكل تعسفي لا يمس النائب وحده، بل يمس المواطنين الذين انتخبوه، ويُقيد قدرتهم على:
طلب تشريعات جديدة، اقتراح تعديلات قانونية، وممارسة الرقابة على الحكومة من خلال ممثليهم.


آليات إصلاح العملية البرلمانية

لتحقيق التوازن بين صون الحصانة وضمان النزاهة، يبرز مساران أساسيان: 
أولًا: تشديد عقوبات شراء الأصوات
مع تفعيل دور الهيئة الوطنية للانتخابات للتصدي للمال السياسي بحزم، بما يجعل رفع الحصانة إجراءً قانونيًا منضبطًا يخدم نزاهة العملية السياسية، لا وسيلة لتصفية الحسابات.

ثانيًا: تغيير ثقافة الناخبين
إذ تظل المشكلة الكبرى في عزوف البعض عن المشاركة أو في بيع أصواتهم. ويحتاج المجتمع إلى حملات توعية تركز على حماية الإرادة الشعبية وتشجيع المشاركة، مثل حملة:"لا تخُن إرادة المصريين… لا تبِع صوتك… وشارك في اختيار من يمثلك بنزاهة".

google-playkhamsatmostaqltradent