كتبت / آية ياسر
لم تكن “هنا” تتصور في أسوأ كوابيسها أن ينتهي الحال بمشروعها الصغير على هذاً النحو، لا سيما أنها كانت تعتمد عليه على مدار عامين كمصدر دخل أساسي لأسرتها، لكن الأوضاع ازدادت سوءاً مؤخرًا نتيجة الأوضاع الاقتصادية لتبدأ في خسارة رأس مالها وتتراكم عليها الديون، حتى كانت القشة التي قسمت ظهر البعير، حين قررت الحكومة ترخيص المحلات، عندها اكتفت الأم الثلاثينية المُعيلة وقررت إغلاق محلها للأبد وتصفية بضاعته.
تعد “هنا” واحدة من ملايين من أصحاب المحلات التجارية في مصر الذين يواجهون العديد من العقبات والتحديات في ظل الأزمة الاقتصادية وانخفاض قيمة الجنيه وتداعيات جائحة كورونا والحرب الأوكرانية، وهو ما أسفر عن ارتفاع في أسعار الخدمات والمنتجات ونقص في البضائع، قبل أن يفاجئ التجار بعدد من القرارات الحكومية التي تُشكّل أعباءاً إضافية بالنسبة إليهم.
ففي 11 ديسمبر الجاري بدأت وزارة التنمية المحلية في تفعيل قانون المحال العامة رقم 154 لسنة 2019، وتحديد رسوم تراخيص قانون المحال العامة في جميع نطاق المحافظات والمدن، والتي تبدأ من ألف جنيه وتصل الى 100 ألف جنيه كحد أقصى، حسب نشاط المحل ومساحته وموقعه، إضافة إلى رسوم معاينة تصل إلى ألف جنيه كحد أقصى، ووفقاً للوزارة يتراوح رسم ترخيص محل تجاري بالمدن والأحياء بمساحة 50 متر إلى 9 آلاف جنيه إضافة إلى رسوم المعاينة وتحديد نوعية النشاط، فيما تصل قيمة ترخيص محل بالمدن بمساحة 70 متر تتراوح من 12 إلى 15 ألف جنيه.
ثمانية مليون نصفهم غير مرخص
ويواجه أصحاب المحلات غير المرخصة خطر السجن؛ حيث نصت المادة رقم (30) من القانون رقم (154) لسنة 2019 بإصدار قانون المحال العامة، على أن يعاقب كل من قام بتشغيل محل دون ترخيص بغرامة لا تقل عن 20 ألف جنيه ولا تجاوز 50 ألف جنيه، وفى حالة العودة تكون العقوبة الحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر ولا تجاوز سنة والغرامة المشار إليها أو بإحدى هاتين العقوبتين فضلا عن غلق المحل على نفقة المخالف.
وكان محمد عطية الفيومي، المتحدث باسم اللجنة العليا لترخيص المحلات العامة، قد قدّر أعداد المحلات بمصر بنحو 8 ملايين محل ونصف هذا العدد أو أكثر من المحال غير مرخص؛ وذلك في مداخلة هاتفية ببرنامج "صالة التحرير" المذاع على قناة "صدى البلد".
محمد عطية الفيومي المتحدث باسم اللجنة العليا لتراخيص المحلات العامة فى ضيافة صالة التحرير
خراب مستعجل للمحلات
قبل عامين افتتحت “هنا زيادة” متجر لبيع المنظفات والحفاضات ومستحضرات التجميل، بشارع جانبي بحي فيصل في الجيزة، وكان ربحها بالكاد يكفي لتوفير احتياجات أسرتها المادية، لكن زيادة أسعار المنتجات وارتفاع أسعار فواتير الكهرباء زاد من أعباءها المالية، في الوقت الذي عانت فيه من حالة الركود وضعف الحركة الشرائية، لتتعرض للخسارة وتتراكم ديونها، ثم يصدر قرار التراخيص الذي ووصفته بالخراب المستعجل لأصحاب المحلات، والذي دفعها لإغلاق محلها الذي تحول لمشروع فاشل.
“ريم عاطف” هي الأخرى قررت إغلاق متجرها المخصص لبيع الشنط والأحذية، والذي افتتحته منذ 6 أشهر فقط، وهي ممتنة لكونها ليست مضطرة بذلك لخوض اجراءات الحصول على ترخيص ودفع رسوم تعتقد أنها لن تقل عن 25 ألف جنيه مصري.
وتؤكد “ريم” أنها ليست الوحيدة التي تعرضت لخسائر واضطرت لإغلاق محلها، قائلة: “خلال ٦ شهور فيه ٣ محلات حولي فتحوا وقفلوا لأن مفيش فلوس دخلت لهم،ـ مع العلم إن كل محل بيبيع حاجات غير التاني، فلو المحل مش ملكك فأنت بتدفع إيجار و تشطيبات في مشروع فاشل نسبة نجاحه قليلة وبالحظ”.
المستهلك هو المتضرر
بينما تعتبر “كريمة راضي”، صاحبة متجر صغير للبقالة، أن المستهلك هو المتضرر من قرار ترخيص المحلات، في ظل عدم انضباط الأسعار، لأن صاحب المحل سيضطر لرفع أسعار السلع كي لا يضطر لدفع رسوم الرخصة من ماله الخاص متحملاً أعباء إضافية، مستبعدة في الوقت نفسه أن تحصل على ترخيص لمحل البقالة الخاص بها لكونه يقع داخل بيت أسرتها المبني على أرض الدولة وضع يد بمنطقة عشوائية، في القاهرة، وهو مهدد بالإزالة في أي وقت، معتبرة أنهم في فجوة زمنية وثقب أسود خارج نطاق الدولة، مؤكدة أنه لم يعد بمقدور أسرة أن تعتمد على متجر صغير كمصدر لدخلها، قائلة: “في محيطي كله، مفيش حد بيعتمد على وظيفة واحدة كمصدر دخل، اصحاب المحلات اللي حواليا كلهم، المحل بالنسبة لهم هو مصدر إضافي للدخل، لكن المحلات اللي أول الشارع مثلاً ودا شارع رئيسي، معظمها قفل لأنه مبقاش حمل إيجار أو فواتير كهرباء تجارية.
وتؤكد “كريمة” حالة الركود وخسائر أصحاب المحلات، مبينة أن التاجر يعاني من الزيادات اليومية للأسعار بشكل جنوني، بجانب عدم توفر السلع، مضيفة: “الناس استغنت عن السلع اللي مش ضرورية، الشوكولاتات مثلا مبقاش لها زبون، يادوب السكر والشاي والرز والسجاير وأساسيات الأكل”.
أما “ضياء الدين مصطفى” وهو يمتلك مطعماً لبيع الفول والفلافل والمأكولات الشعبية، فيأمل مراجعة الترخيص الأمني الذي نص عليه القانون، بالنسبة للمطاعم ومحلات البقالة وصالات الجيم وغيرها، مؤكداً أن ترخيص المحلات سيصب في مصلحة الاقتصاد الرسمي للدولة، لكنه سيؤدي لزيادة تكلفة التشغيل وبالتالي رفع الأسعار بالنسبة للمستهلك، مشيراً إلى أن قرار الفاتورة الالكترونية يمس أيضاً المحلات التجارية لأن سلاسل التوريدات بالكامل ستدخل في نطاق المنظومة الضريبية والاقتصاد الرسمي للدولة، كما أن الفاتورة والتراخيص يتطلبان الحصول على سجل تجاري وبطاقة ضريبية.
ويعتبر ضياء الدين أن زيادات الأسعار الناجمة عن نقص الدولار وغياب الإفراجات الجمركية هو الأزمة الكبرى التي تواجه التجار، مستشهداً بتضاعف أسعار زيت القلي إلى 3 أضعاف خلال شهر وهو الذي يدخل في صنع 60% من المأكولات مما أضطر المطاعم لرفع الأسعار، وكذلك الحال مع أسعار الفول، وهو ما أدى لانخفاض نسبة البيع بنحو 60%.
إعادة ترخيص المحلات
أصحاب المحال التجارية المُرخصة لم يسلموا أيضاً من القرار الجديد؛ حيث وجدوا أنفسهم مضطرين لخوض سلسلة من الإجراءات ودفع رسوم ضخمة للحصول على ترخيص جديد.. وكانت "منة نبيل"، صاحبة محل ألعاب بلايستيشن، واحدة من هؤلاء؛ رغم تسديدها لنحو 15 ألف جنيه سنوياً كرسوم ترخيص سنوية لمتجرها، بجانب مبلغ وصفته بالكبير يتم دفعه للضرائب كل عام، وهو ما جعلها تتخذ قراراً حاسماً بإغلاق المحل وعرض الأجهزة الالكترونية ومحتويات المحل للبيع عبر الإنترنت، لاسيما أن هامش الربح الذي يتبقى لها ضعيف للغاية في ظل ارتفاع أسعار الإيجارات وتضاعف فواتير الكهرباء.
وتنقسم أسعار شرائح الكهرباء للقطاع التجاري، وفقاً للشركة القابضة للكهرباء في مصر إلى 5 شرائح، وتتراوح الشريحة الأولى بين صفر إلى 100 كيلو وات بسعر 65 قرشًا، الشريحة الثانية من صفر إلى 250 كيلو وات 120 قرشاً، الشريحة الثالثة من صفر حتى 600 كيلو وات 140 قرشاً، الشريحة الرابعة من 601 إلى ألف كيلو وات 155 قرشاً، الشريحة الخامسة لأكثر من ألف كيلو وات 160 قرشاً.
وكانت لجنة الخطة والموازنة في مجلس النواب المصري، قد أقرت في ديسمبر 2021، مشروع قانون مقدم من الحكومة استحدث ضريبة جديدة على بيع أو إيجار المحال التجارية بواقع 1%، فضلاً عن زيادة الضريبة المفروضة على منتجات الصابون والمنظفات الصناعية والخدمات الإعلانية من 5% إلى 1
إعادة النظر في الترخيص الأمني
وكان الدكتور أيمن أبو العلا، وكيل لجنة حقوق الإنسان بمجلس النواب، رئيس الهيئة البرلمانية لحزب الإصلاح والتنمية، قد وجّه بياناً عاجلاً للحكومة ممثلة في وزير التنمية المحلية، في الـ17 من ديسمبر الجاري، بشأن الجدل المثار حول قانون المحال العامة، مطالباً فيه بإعادة النظر في الترخيص الأمني لـ83 نشاط، وتيسير الإجراءات.
وفي مكالمة هاتفية أجريناها معه، أوضح د. أيمن أبو العلا، أن القرار واجه انتقادات بسبب كثرة الأوراق والجهات التي يتطلبها الحصول على الترخيص، مثل: القوى العاملة والصحة والبيئة في بعض النشاطات، والأمن، والرسم الهندسي والسلامة الإنشائية وموافقة الجهة الإدارية، مضيفاً: أنه بعد تقدمي باستفسار أرسلت لي اللجنة العليا للقانون بعض الإيضاحات منها: أن التقدم للترخيص يكون بالإخطار ويقدم لجهة واحدة ومنح مدة سنتين للمتقدم لحين استكمال أوراقه، وإذا لم يتلق المتقدم للرخصة ردًا خلال 60 يوماً فهذه تعتبر موافقة، كما وعدوا بمراجعة موضوع الترخيص الأمني لـ83 نشاط، بحيث يتم استثناء بعض الأنشطة الأخرى، بجانب تخفيض الرسوم لتكون في الغالب ألف جنيه مدى الحياة مستثنين المحلات الكبرى، مشيراً إلى أن الأمر سيخضع للتقدير فلا يمكن المساواة بين متجر ملابس بحي الزمالك وآخر في حي شعبي.
وبشأن مصير التراخيص في حالة المؤجر والمستأجر بيّن النائب أن رد اللجنة أفاد بأن الرخصة ليست عقد ملكية وعند إخراج المستأجر من محله يجب عليه استخراج ترخيص جديد برسوم جديدة، بينما يمكن للمستأجر الجديد الذي حلّ محله تغيير النشاط واستصدار رخصة جديدة، مشيرًا إلى أن مدة الترخيص سارية مدى الحياة وتنتقل للورثة إذا لم يغير الوريث محل إقامته، وفي حال هدم العقار الذي يضم المحل المرخص فيجب على صاحبه التقدم للحصول على ترخيص جديد لأنه يرتبط بالمكان.
مخالف للقانون والدستور والاتفاقيات الدولية
ويؤكد المحامي بالنقض والمحكمة الدستورية العليا، وباحث الدكتوراه في القانون الجنائي، نبيل غبريال، أن قانون تراخيص المحال العامة الصادر في عام 2019، ولائحته التنفيذية الصادرة مؤخراً، لم يحددا بالأساس قيمة الرسوم والتي أعلنت عنها وزارة التنمية الإدارية، وأن الترخيص الأمني للمحلات مخالف للقانون والدستور والاتفاقيات الدولية، متسائلاً كيف يصدر مسؤول قرار لا يستند إلى قانون أو لائحة تنفيذية؟، مشيرًا إلى أن الـ83 نشاط التي تضمنها القرار لا يختص بها الأمن باستثناء أنشطة معينة مثل: متاجر بيع الأسلحة والسنترالات.
ويوضح غبريال أن القرار الجديد ينطبق على كل من المحلات المرخصة بالفعل والمحلات غير المرخصة من قبل، بحيث تدفع الأولى نصف الرسوم وتدفع الثانية الرسوم كاملة، كما أتاح إمكانية التنازل عن الرخصة لصاحب النشاط الجديد في حال إزالة المبنى الذي يتواجد به المحل أو عند ترك المستأجر لمحله المؤجر، مستنكراً إلغاء القرار لنظام التراخيص السنوية للمحلات وجعله ترخيص مدى الحياة، لأنه من الوارد تغيير القانون عندما يتسلم السلطة رئيس جديد وبرلمان آخر، كما أنه لم يحدد مصير ترخيص المحل حال وفاة صاحب الرخصة وعدم وجود ورثة له، معتبراً أن الرسوم المالية المفروضة للتراخيص مبالغ بها في ظل الأزمات الاقتصادية الراهنة، وأن القرار لن يحول دون دفع أصحاب المحلات لرشاوي وإكراميات.
وحول الإجراءات اللازمة للحصول على التراخيص يُبيّن المحامي أن الحكومة لم تعلن بعد عن الموقع الالكتروني أو التطبيق الذي سيتم تقديم الإخطار من خلاله، مؤكداً أن القانون غير واقعي ويصعب تطبيقه على أرض الواقع، لافتاً إلى أن المحلات ستخضع أيضاً لنظام الفاتورة الالكترونية.
زيادة الموارد وتقليل العجز
فيما يعتبر الدكتور عادل عامر، الخبير الاقتصادي، ورئيس مركز المصريين للدراسات السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، أن قانون تراخيص المحلات التجارية هو أحد الأدوات التي لجأت إليها الدولة لتطبيق الشمول المالي على كافة الأنشطة الاقتصادية والتجارية خارج نطاق الاقتصاد الرسمي، فالمورد الأول الذي تعتمد عليه الدولة هو الضريبة العامة، كما يمنع القرار الأنشطة غير المرخصة من مزاولة نشاطها مما يؤدي لضبط وجودة المنتج المعروض بالسوق والتزامها بمعايير الجودة العالمية والصحة.
ويضيف عامر أن القانون تمت مراجعته ولا يوجد به أي عوار دستوري، مشيداً بتوجه الوزارة نحو الميكنة الإدارية للإجراءات والذي سيسهل صدور التراخيص، لافتاً إلى أن الدولة ترمي لزيادة مواردها المالية وتقليل العجز العام مع اقتراب موعد تقديم الموازنة العامة في مطلع يوليو القادم.