بقلم / دعاء بركات
"حتى ولو نزعوا إسمي ستظل الأحجار شاهدة عني وعن السلام، فأنا حتشبسوت خليلة أمون وملكة الأرضين ، لقد عفوت عنكم لتخدموا شعبي ، فلتضعوا شعبي فوق رؤوسكم وإلا قطعت رؤوسكم وإستأصلت نسلكم من الارض".
-هذا ما قالته الملكة حتشبسوت قبل موتها ، فمن هي حتشبسوت ؟
- إنها ملكة ذات طابع مميز ، وواحدة من أعظم ملكات التاريخ وملكة ملكات مصر القديمة ودرة تاج مصر الفرعونية ، حيث تعتبر الملكة حتشبسوت من أقوى حكام مصر على مر العصور والسيدة الحاملة للقب فرعون لأطول مدة بين الفراعنة الإناث التي حكمن آنذاك .
-وإعتبرت فترة حكمها نقطة تحول محوري في تاريخ مصر القديمة وتشهد لها آثارها المعمارية الفريدة بعظمة حكمها وإهتمامها بالثقافة والفنون ، فضلاً عن حالة الرخاء التي تميزت بها سنوات حكمها لمصر .
-كان ذلك في عام 1508 ق.م ،ولدت في قصر فرعوني أميرة سميت حتشبسوت ،وهي الإبنة الكبرى لفرعون مصر الملك تحتمس الأول ، وكانت الخامسة ضمن سليل ملوك الاسرة الثامنة عشر ،ويعتبر الملك أحمس الأول صاحب الإنتصار العظيم من تحرير مصر من الهكسوس هو الجد الأكبر لحتشبسوت والذي هو أيضاً مؤسس الأسرة الثامنة عشر الفرعونية التي تنتمي إليها.
-الاسم الاصلي لحتشبسوت هو (جامنت-آمون-حتشبسوت) ويعني خليلة آمون المفضلة على السيدات أو خليلة آمون درة الأميرات .
-تزوجت حتشبسوت الملك تحتمس الثاني وهو أخوها أيضاً على عادة ملوك الفراعنة ، ولم تنجب منه ذكراً ليخلفه على العرش وإنما أنجبت إبنا وبنتان ،فأما الإبن فمات في طفولته ولم يبقى إسمه على أي أثر من الآثار ، أما الإبنتان فهما نفرورع و ميريت رع .
وقد أنجب تحتمس الثاني تحتمس الثالث من إحدى جواري البلاط الملكي .
-كانت الملكة حتشبسوت تعد من الجميلات وأول من إرتدت القفازات وذلك لوجود عيب خلقي فقد كان لها ستة أصابع ولم يعرف الناس بذلك إلا بعد رؤية موميائها
الملكة حتشبسوت هي أول ملكة فرعونية حكمت مصر بالرغم من أنه كان من المفترض أن يحكم إبن زوجها تحتمس الثالث وطوال فترة زواجها كانت تمارس الحكم من وراء الستار فقد كان زوجها تحتمس الثاني ضعيف وربما كان مريضاً في نفس الوقت ولكن إبنه تحتمس الثالث لم يكن كذلك فقد أبرم الكثير من المؤامرات مع كهنة آمون للحيول دون تولي الملكة الحكم ، إلا أنها إستطاعت تحقيق ذلك وتم إعلان حتشبسوت في عام 1404ق.م ملكاً على مصر ، ورغم أن حكم مصر كان يعتمد على رضا الكهنة في الدرجة الاولى إلا أن الشعب لم يتقبل ببساطة أن تتولى الحكم إمرأة ، كما كان حول مقتل زوجها الملك تحتمس الثاني الكثير من الغموض حيث إتهمها البعض بقتله للوصول إلى العرش .. إلا أن تلك التهمة لم يكن عليها أي دليل فضلاً عن ذلك فإن قدرتها على الحكم وحنكتها في التدبير كان لها الأثر الأكبر في تقبل المصريين حكمها بل ورضائهم على ذلك فيما بعد .
ولا شك أن لنشأتها الأثر الأكبر لذلك ، فقد كانت الإبنة الكبرى لوالدها الملك تحتمس الأول وكانت تشاركه الحكم في أواخر آيامه.
حاولت حتشبسوت تمثل نفسها كرجل في التماثيل وتلبس الذقن والملابس الرجالية إذ كان الملك طبقاً للعرف ممثلاً للإله حورس الحاكم على الأرض لذلك كانت دائماً تلبس وتتزين بملابس الرجال كما قصت شعرها وإستخدمت الذقن المستعارة وحاولت دائماً أن تنسى أنها إمرأة ، بل كانت تشير إلى نفسها بضمير المذكر في محاولة منها لإظهار قوتها أمام الشعب وإن كان هذا لم يقلل من كونها تمتلك كل صفات الأنثى الجميلة ،فقد كانت ذات بشرة خمرية وأنف معقوف قليلاً ووجه مستدير.
-ومن علامات تقدير الشعب لها ما كان يطلقه عليها في أغانِ مديح الفرعون حيث كانت تحمل لقب حورس الأنثى كما كانت تحمل الكثير من الألقاب مثل إبنة الشمس- صديقة آمون -حورس الذهبية -مُحييّة القلوب والسيدة القوية .
في الوقت نفسه كان لها دور كبير في النهضة الشاملة التي شهدتها مصر القديمة في تلك الفترة وقامت بتكوين جيش قوي لا يقهر وأرسلت العديد من الغزوات الإستكشافية إلى مختلف البلدان للتعرف على الحضارات المجاورة والنقل عنها.
- فضلا عن ذلك .. شهدت مصر في تلك الفترة نشاطاً تجارياً ،حيث كان لمصر علاقات تجارية قوية مع مختلف دول الشرق.
-ورغم قوة جيشها و شهرته إلا أنه لم يحدث في فترة حكمها حرباً حقيقية ، عدا بعض الحملات التأديبية التي أرسلتها إلى فلسطين والشام والنوبة والتي خرجت تحت قيادة إبن زوجها تحتمس الثالث ، ويعتقد المؤرخون أنها كانت تعهد له بقيادة الجيش في المهام الخطرة وذلك للتخلص منه بقتله على يد الأعداء بإحدى المعارك .
- تركت الملكة حتشبسوت ألغازاً كثيرة وأسرار وربما يكون أكثر تلك الالغاز إثارة هو لغز سنموت ذلك المهندس الذي بنى لها معبدها الشهير في الدير البحري والذي منحته ثمانين لقبٱ ، ولقد بلغ من حبه لملكته أن حفر نفقاً بين مقبرتها ومقبرته ، وجاءت تلميحات المؤرخين تشير إلى وجود حالة حب قد جمعت بين الإثنين فقد تشاركا حياة أسطورية وإنتهى كل منهما لنهاية غامضة لا تزال لغزاً حتى الآن.
ويعتقد بعض المؤرخين أن سنموت هو من شجع حتشبسوت على الإنفراد بعرش البلاد وحكم مصر بمفردها بعد أن كانت وصية على إبن زوجها تحتمس الثالث.
- توفيت حتشبسوت في العاشر من الشهر الثاني بفصل الخريف عام 1457 ق.م بعد أن ظلت في الحكم لإثنين وعشرين عاماً ، وبعد أن ماتت الملكة حتشبسوت حاول الملك تحتمس الثالث أن يدمر كل تمثال لزوجة أبيه ويشوهه ويمسح إسمها ويخفي ملامح حكمها من الحضارة الفرعونية كاملة .
وبالفعل دمر الكثير جداً من آثارها وأبرزها معبدها الشهير "معبد حتشبسوت" الذي طمس وجه أغلب تماثيلها به وتم محو العديد من النصوص التي تتحدث عن فترة حكمها.
- حتى الآن لانعرف كيف إنتهت حياة الملكة وعما إذ كانت قد ماتت ميتة طبيعية أم أنها قتلت على يد تحتمس الثالث .
حقاً فعلتها حتشبسوت ونجحت في جعل مصر دولة قوية ذات جيش حام بدون خوض أي معركة حربية ، وجعلت من علاقاتها في ذلك الوقت اللبنة الأولى في الديبلوماسية التي عرفناها في الحياة السياسية الحديثة وأقامت الكثير من الإتفاقيات السياسية والتجارية وعلاقات الصداقة الثنائية مع دول الجوار .
- تركت الملكة حتشبسوت آثاراً تشهد بالمستوى الأقتصادى والأجتماعي الذي شهدته مصر في فترة حكمها والتي لاتزال مزاراً سياحياً يأتي إليه السياح من جميع أنحاء العالم .